أبي بكر جابر الجزائري

228

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ : أي ذاته ووجه سبحانه وتعالى . ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ : أي العظمة والإنعام على عباده عامة والمؤمنين بخاصة . يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أي يسألونه حاجاتهم التي تتوقف عليها حياتهم من الرزق والقوة على العبادة . والمغفرة للذنب ، والعزة من الرب . كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ : أي كل وقت هو في شأن : شؤون يبديها وفق تقديره لها يرفع أقواما ويضع آخرين . سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ « 1 » : أي لحسابكم ومجازاتكم بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا ونجزى كلا بما عمل . إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا : أي إن قدرتم على أن تخرجوا . مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أي من نواحي السماوات والأرض . فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ : أي فأخرجوا . لا تنفذون إلا بقوة ولا قوة لكم وهذا تعجيز لهم . يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ : أي من لهب النار الخالص الذي لا دخان فيه . وَنُحاسٌ : أي دخان لا لهب فيه ، ولا يبعد أن يكون نحاسا مذابا . فَلا تَنْتَصِرانِ : أي لا تمتنعان من السوق إلى المحشر . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في ذكر أيادي الرحمن الرحيم قال عزّ من قائل كُلُّ مَنْ عَلَيْها « 2 » فانٍ كل من على الأرض من إنسان وجان وذي روح وحيوان فان : هالك ، لا تبقى له روح ولا ذات ، وَيَبْقى « 3 » وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ حىّ لا يموت والإنس والجن يموتون فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما « 4 » تُكَذِّبانِ أبنعمة إيجادكما وإمدادكما بالأرزاق والخيرات طوال الحياة أم بنعمة انهاء أتعابكما وتكاليفكما أم بإهلاك أعدائكما ، وإدنائكما من النعيم المقيم في جنات النعيم ، قولوا خيرا لكم لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد . وقوله يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 »

--> ( 1 ) قيل في الإنس والجن : الثقلان لأنهما أثقلا وأتعبا بالتكاليف . ( 2 ) الضمير عائد إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر نحو ( توارت بالحجاب ) . لأن المقام دال عليها . ( 3 ) أطلق لفظ الوجه وأريد به ذات الرب تعالى جريا على عرف العرب في كلامهم إذ يطلقون الوجه على الذات والوجه معا ، ومعنى ( فان ) أي : صائر إلى الفناء . ( 4 ) جائز أن يكون في الفناء نعمة لا تدرك فلذا صح إيراد جملة : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وأي نعمة أعظم من انتهاء هذه الحياة بكل ما فيها للانتقال إلى الحياة الدائمة حيث الخلد والبقاء فهي لأهل السعادة نعمة توجب أعظم الشكر . ( 5 ) السؤال : الدعاء فالملائكة يسألونه تعالى أن يغفر للذين آمنوا وهو قولهم رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ، رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ .